بعد تراجع العلوم الانسانية امام علوم التكنولوجيا والرقميات منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم،برزت الحاجة الى اعادة الاعتبار الى العلوم الانسانية من آداب وفلسفة وتاريخ ولغات وغيرها. وتحت هذا العنوان انعقد بين 6 و 12 آب 2017 “المنتدى العالمي للانسانيات” الذي نظمه “المركز الدولي للفلسفة والعلوم الانسانية” بالتعاون مع منظمة اليونسكو، ومقاطعة لياج، وجامعة لياج، ومؤسسة “live together”، في مدينة لياج البلجيكية للتداول في هذا الموضوع ومناقشته واتخاذ التوصيات الملائمة.

حضر هذا المؤتمر الدولي نحو 1200 مشارك، من مختلف الاختصاصات في العلوم الانسانية، ولا سيما في حقول الفلسفة والآداب واللغات والتاريخ والحقوق والعلوم السياسية والاجتماعية والفنون، ينتسبون الى 95 دولة.

وشارك لبنان بوفد رسمي ضم رئيس بعثة لبنان لدى اليونسكو السفير خليل كرم ممثلا وزير الثقافة الدكتور غطاس خوري، ومديرالمركز الدولي لعلوم الانسان- جبيل الدكتور أدونيس العكره، وعضو مجلس الادارة في المركز الدكتور احمد بعلبكي، والدكتورة فاديا كيوان، اضافة الى الدكتور عبد الحسين شعبان والدكتورة ريما مولود.

وكان للمركز الدولي لعلوم الانسان مشاركة فاعلة في اعمال المنتدى على مستويات عدة: فقد نظم ندوة من 6 اصوات في قاعة المحاضرات في جامعة لياج،  تحت عنوان “كيف تستطيع العلوم الانسانية ان تتصدّى للتطرّف والتكفير؟”، ترأسها الدكتور العكره وافتتحها بكلمة نوه فيها بالفريق العلمي المشارك والمكوّن من مفكرين يجمعون في جنسياتهم المشرق والمغرب العربيين. كما توقف خلال مداخلته عند فكرة أن “التسامح ليس نظرية سياسية، بل مبدأ أخلاقي في جوهره، وبالتالي فهو قضية ثقافية تتعلق بذهنية المجتمع ونمط سلوك أفراده: انه قضية تربوية ومسلكية، وليس موضوع قرار سياسي”. وتوالى على تقديم المداخلات كل من الدكتورة فاديا كيوان (جامعة القديس يوسف – لبنان) التي تساءلت عما اذا كان علم السياسة وسيلة شيطانية في خدمة السلطة، ام انه وسيلة توجّه وتقود الى الخير العام؟ وألقى بعدها الدكتور الطاهر بن قيزة (جامعة تونس – الجمهورية التونسية) مداخلة في موضوع “أسلمة المعرفة وانعكاسها على العلوم الانسانية”. ثم قدّمت الدكتورة ريما مولود (الجامعة اللبنانية – لبنان) مداخلة وموضوعها “دور الانسانيات في النضال ضدّ التطرّف والتكفير”. أما الدكتور منير بهادي (جامعة وهران 2 – الجزائر) فقد أبرز حضور العلوم الانسانية والاجتماعية في العالم العربي، واختتمت الدكتورة هاجر بن ادريس (جامعة تونس – الجمهورية التونسية) الندوةوقدّمت بعض النماذج عن الخطاب الاسلامي المتطرّف ونقده.

وفي ندوتين اخريين حاضر كل من الدكتور احمد بعلبكي حول “الهجرة، والحدود وتاثيرها على مجتمعين تعدّديين: لبنان وفلسطين”، والدكتور حسين شعبان عن “كيف تحدد الهوية؟ وهل هي مغلقة ام مفتوحة؟”

وفي ختام المؤتمر، عُقدت طاولة مستديرة شارك فيها وزير الثقافةالدكتورغطّاس الخوري ممثلا بالسفير كرم ، ووزير الدولة البلجيكي عضو الأكاديمية الملكية البلجيكيةفيليب بوسكان، ووزير التعليم العالي في جمهورية مالي أسيتو فونيه ميغان، وأدارتها مساعدة المديرة العامة لليونسكو لشؤون العلوم الاجتماعية والانسانية ندى الناشف. وكان للصحافة ووسائل الإعلام دور بارز في نقل وقائع أعمال المؤتمر والجلسة الختامية. وقد تحدث مدير المركز الدولي لعلوم الانسان، باسم الوفد العلمي العربي المشارك في المؤتمر، الى الصحافة والتلفزيون البلجيكي عن أهداف مشاركة المركز في المؤتمر والأفكار التي قدّمها أعضاء الوفد في الندوة التي نظمها في اطاره.

وخلال مشاركاته في المحاضرات واللقاءات لفت عكره المشتركين الى ما قاله شيخ الأزهر في احدى محاضراته في القاهرة : “إن خطب المساجد في يوم الجمعة يعادل تأثيرها، تأثير 100 ألف كتاب في السنة”، ودعا بالتالي خطباء الجمعة الى التركيز على نقد التكفير ورفضه ورفض كل ما يناقض حرية الانسان في التعبير والتفكير والمعتقد. فتلقف العديد من المشاركين هذه الفكرة وركزوا عليها، واطلقوا النداءمؤكدين ان المطلوب هو وضع الدين في خدمة الدولة التي تعني كل الناس، وليس الانسان في خدمة الدين.

كذلك وجه المشاركون نقدا الى وسائل الاعلام في العالم العربي، وخصوصا المحطات التلفزيونية التي تنقل الخطب وتبث البرامج الدينية، ولا تعتني جيدا وبما فيه الكفاية بقضايا العلوم الانسانية والفنون، بل هي تنقل الخطب وتغطي البرامج التي تغذي التعصب.وأوصواباستبدال هذه البرامج ببرامج ثقافية، وطلبواايضا الى الدول الغنية والتي تملك اموالا طائلة وتغذي هكذا نوع من وسائل الاعلام،ان تحول هذه الاموال الى انتاج برامج تغذي وتدعو الى الحوار بين الثقافات والاديان والسلام العالمي.”

يذكر ان المركز الدولي لعلوم الانسان سبق ان نظم ايام 18 و19 و20 ايار 2017 في مقره في جبيل، مؤتمرا اقليميا تمهيديا للمنتدى العالمي تحت عنوان: “اعادة الاعتبار الى العلوم الانسانية: نظريات  ومقاربات وانتاح معرفة”، وشارك فيه نحو خمسين باحثاً من 14 دولة عربية، هي : لبنان، فلسطين، قطر، الأردن، العراق، مصر، تونس، عُمان،الجزائر، المغرب، سوريا، الإمارات العربية المتحدة، السودان واليمن، واصدروا توصيات رفعوها الى المؤتمرين في لياج.

العودة الى الأعلى