الورقة الخلفية

مؤتمر أكاديمي من إعداد:

  • المركز الدولي لعلوم الانسان – جبيل
  • جان ميشال موتون، مدير دروس في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا – باريس
  • جاك بافيو، أستاذ التاريخ الوسيطي في جامعة شرق باريس

_______________________

 

منذ أقدم العصور، برزت بعض المناطق بصفتها مناطق احتكاك وتواصل بحيث نتج حوار بين الحضارات والأديان والثقافات، وتطورت في فضائها قيم إنسانويّة مثقلة بالقيم الديمقراطية ومبادئ الحياة العمومية. ولبنان هو واحدة من هذه المناطق، والمركز الدولي لعلوم الانسان في جبيل هو مؤسسة دوليّة تأخذ على عاتقها إقامة المؤتمرات الدولية الهادفة الى دراسة هذا النوع من الموضوعات عبر التاريخ، وليس أعرق من لبنان ليكون نموذجا لها.

 

ففي الواقع، لم تكفّ أرض لبنان عن استقبال وإدماج شعوب آتية من آفاق متعددة المشارب والأعراق، من فينيقيين، ومصريين، وإغريقيين، ورومانيين، وعرب، وصليبيين، وأتراك، وفرنج. وغالبا ما كان هؤلاء الغزاة يفرضون سطوتهم بواسطة القوة، كما كانت سيطرتهم السياسية على الفضاء اللبناني مصحوبة بإقامة نظام اجتماعي جديد، وأحانا بنشر ثقافة جديدة. وها ان لبنان اليوم، بما هو موئل الحضارات والأديان، ثمرة هذا التاريخ الموغل في الزمان الغابر. أما مدينة جبيل، بيبلوس القديمة، وجيبلت الصليبيين، فهي تشهد بامتياز على تراث متعدّد التأثيرات والعناصر.

 

إن الهدف الأول من هذا المؤتمر الذي نقترحه هو معرفة كيف كانت في البدء نظرة الشعوب المقيمة الى الشعوب الجديدة الغازية والتي كانت تحمل حضارات وأديانا وثقافات مختلفة، وكيف جرى قبولها أو رفضها من جانب تلك الشعوب المتجذّرة على الأرض اللبنانية، ثم كيف استطاعت هذه الشعوب الغازية، أو كيف حاولت، أن تفرض نموذجها الحضاري، وأخيرا، إننا نهدف من هذا المؤتمر الى معرفة ما هي القيم الانسانوية التي تولّدت من هذا التزاوج الحضاري.

 

لكي نفهم هذه الظواهر، لا بدّ لنا من تحليل أشكال التواصل والحوار التي حصلت على مستويات مختلفة وفي ميادين متباينة. ولذلك، فإن بالامكان مقاربة هذه الظواهر تبعا للمحاور التالية:

  • الحوار في الأشكال ( الفنية والتقنية…)
  • الحوار بين الثقافات ( اللغات والثقافات …)
  • الحوار بين الأديان ( أنماط التوفيق بين الديانات…)
  • الحوار بين المؤسسات ( في السياسة والإدارة …)

 

إنا نهدف من هذا التقسيم بين المحاور الى استنباط العوامل التي أدّت الى إدماج بطيء لعادات المجتمع الغازي وتقاليده من جانب المجتمعات المغزوّة، وذلك منذ المرحلة العنفيّة التي حصل بواسطتها احتلال الأرض وامتلاك السلطة، الى حين مرحلة المساكنة أو الانصهار بين المجتمعَين. إن ما يشكّل لبّ الإشكالية المطروحة في هذه الأطروحة هو عملية الانتقال من الطور العنفيّ والقطيعة حيث تتواجه حضارتان أو ثقافتان، الى الطور المسالم الذي تتمّ خلاله المساكنة بين الغازي والمغزوّ. وبالنتيجة، تتبدّى لنا السيرورة التي تفضي الى تكوّن مجتمع جديد ومندمج، وهذه السيرورة هي التي يجدر بنا إبراز معالمها، إذ ان الإحاطة بها تبقى مسألة جوهرية بالنسبة لمجتمعات العالم المعاصر. وتجدر الإشارة هنا الى ان دراسة هذه السيرورة لن تكون فقط من الناحية التاريخية، بل تتعداها الى الجوانب الأنتروبولوجية والسوسيولوجية والألسنية، ومن زوايا مختلفة، سعيا الى استخراج الثوابت الحضارية المؤدية الى مجتمع يعيش في سلام.

العودة الى الأعلى