fbpx
الورقة الخلفية

لماذا الحرب؟ ومن أجل أي سلام؟
رسمت الإعتداءت الدموية على برجيّ التجارة العالميين في نيويورك (11 أيلول/ سبتمبر 2001)، التي افتتحت القرن الجديد، وجهاً جديداً للحرب: حرب من دون سلام.
وفي العام 2015، بعد اعتداءات تشرين الثاني/نوفمبر في باريس، أعلنت الحكومة الفرنسية “نحن في حالة حرب”، وبقي تصريحها غامضاً حول نقطتين أساسيتين لتحديد الحرب: من هو العدو، وما هو السلام الذي يمكن أن يضع حداً لها؟
1 –حرب الشرطة الأميركية
بعد تفجيرات 11 أيلول/سبتمبر 2001، أدخلت إدارة الرئيس الأميركي السابق، جورج بوش، العالم في تصوّر جديد للحرب، لم تعد المواجهة فيها بين دول، ولا يتحدد خلالها السلام كأفق منظور. اذ قادتنا حملة “الحرب ضد الإرهاب” بعيداً من التصوّر الكلاوزفيتزي (نسبة الى المنظر الحربي الشهير كلاوزفيتز) للحرب. فقد أتى زمن الحرب “العادلة” و”اللامتناظرة” و”الإستباقية” (أو الوقائية)، وحتى “من دون نهاية”. وتقرّر التدخل العسكري من دون تهديد (أفغانستان)، أو بعد ابتداع تهديدات (العراق)، ومن نتيجتها دمار البلدان المعنية من دون أي مسار للسلام.
وبات الحديث عن عمليات للشرطة في سبيل عمليات لحلف الأطلسي (OTAN). وفي عكس غريب للمفردات، نتكلم عن حرب في مواقع حضرية (مدينيّة)، حرب عصابات، أسلحة حرب، فالإلتباس بدا تاماً بين حرب خارجية وحرب داخلية.
ولم يقتصر الأمر على مسألة الإلتباس (أو الغموض) في المفردات، اذ يمكننا الكلام عن “حرب الشرطة”، وعن حشد لوسائل الحرب لبلوغ غايات هي من اختصاص الشرطة. وحين يتقدم منطق الشرطة على المنطق القديم للحرب، لا يعود الأمر يقتضي التحضير للسلام، بل القضاء على الشر، غير الشرعي، وعلى الجريمة. لقد صرح الرئيس الأميركي الحالي، باراك أوباما، بعد مقتل أسامة بن لادن :”لقد تحققت العدالة” (Justice is done).
هذا التصوّر للحرب هو ما أشعل الشرق الأوسط، في أفغانستان أولاً ومن ثم في العراق بدءاً من العام 2003، ونحن نحصد اليوم ثمارها الدامية.
2-الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية
في العام 2015 كان الوضع مختلفاً. فالإعتداءت لم تتبنّها منظمة سرية، بل منظمة مسلحة تسيطر على أراض واسعة وتعلن عن نفسها دولة. وتحدونا نزعة أن نعيد الترسيمة الكلاوزفيتزية القديمة الى مكانها “دولة ضد دولة”، ومنحها المقام المؤسساتي الذي تطالب به، وجعلنا نعتقد بأنه “يكفي” سحق هذه الدولة البعيدة لإزالة كل التهديدات.
والحال، اذا كان الطابع “الدولتي” الفعلي لداعش قابل للنقاش، فما هو ثابت، في المقابل، إن استراتيجيّيها يملكون استراتيجية عسكرية وسياسية حقيقية. وهذه الأخيرة معروفة ومعلنة في خطوطها العريضة، منذ نشر كتاب “إدارة التوحش” تحت الإسم المستعار لأبو بكر الناجي (في العام 2012 على الأرجح). والهدف من اعتداءات كانون الثاني/ يناير وتشرين الثاني/نوفمبر كانت، وكما هو جليّ، جَرّ فرنسا الى هذا الميدان، ميدان الحرب التي تتغذى داعش منها.
و”داعش” اليوم في وضع تستطيع معه امتصاص وتجميع طاقات الجهاديين في قارات عدة، وأن تُدمِج شيئاً فشيئاً ما تبقى من تنظيم “القاعدة”. فمقاتلوها تم تجنيدهم من نحو 82 بلداً، ويمتلك التنظيم قواعد مهمة في ليبيا ونيجيريا، وأعلامه تخفق في التحركات المعادية للهند في كشمير، وتخفق في الفيليبين في المظاهرات المعادية للحكومة. فهل يشير سحق قواعد داعش في سوريا الى نهاية الجهاد في العالم؟
وهل بوسعنا في نهاية المطاف، أن نتعامل مع عمليات القتل الجماعية التي يرتكب أغلبها شبان محليون: فرنسيون في فرنسا، بلجيكيون في بلجيكا، وأميركيون في الولايات المتحدة الأميركية، وتونسيون في تونس، على أنها تهديدات “دولتية” أجنبية؟
3-الدروس الجيوبوليتكية من الماضي
مرّ أكثر من نصف قرن على الصراع العربي- الإسرائيلي، وهو مستمر من دون حل، وما زال يولـّد حروباً ويغذّي عدم الإستقرار في المنطقة، وتتدخل دول عظمى عسكرياً في المنطقة لمحاولة ضبط التهديد السياسي –الديني، وماذا كانت الحصيلة؟ لقد كان التدخل السوفياتي ممهّدا للجهاد المعاصر لمنظمة “القاعدة”، وفاتحا الطريق لتثبيت حركة “طالبان” (الأفغانية) بحيث لم يتمكّن التدخل الغربي بعد 11 أيلول/سبتمبر من القضاء عليها.
أما التدخل الأميركي في العراق (2003) فقد دمّر الدولة العراقية، وأضفى على السلطة طابعاً طائفياً، ودفع الكادرات العسكرية والمدنية السُنيّة الى أحضان الدولة الإسلامية الناشئة. والتدخل الفرنسي – الإنجليزي في ليبيا دمّر الدولة الليبية من دون أدنى بناء لبديل مستقر. والمنطقة تعاني اليوم من الخراب والدمار. والإحتلال الإسرائيلي وزيادة وتيرة بناء المستوطنات يقضي على كل أمل في إنشاء دولة فلسطينية، والسلطة في دمشق باقية ومتماسكة بفضل مساندة حلفائها. وملايين السوريين تركوا بلدهم، ويقرع جزء منهم أبواب أوروبا. ويقاتل الكرد “داعش” على أمل الحفاظ على هويتهم والإعتراف بهم كشعب بالمعنى السياسي للعبارة. ويعاني لبنان من أزمة تكاد تهدّد وجوده نفسه. فكيف يمكن في ظل هذه الظروف التمسك بأطروحة الحل العسكري؟ فمنذ عقود لم تفعل الحرب إلّا تغذية زمر الجهاد.
4-الحرب من أجل أي سلام؟
هل يمكن بدء حرب من دون الإعلان عن السلام، الذي هو الرهان والهدف والمآل؟ إنه اليوم أحد النقاط الأكثر غموضاً في الوضع على المسرحين، حيث تؤدى الدراما الحالية: المسرح الجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط والمسرح الوطني. تلك هي الحالة المُلِحة السياسية والفكرية التي تفرض نفسها، اذا لم نرغب في التحوّل الى دولة الحرب الدائمة والدرامية من دون شك. وهل نملك للشرق الأوسط أفقاً لتسوية النزاعات على قاعدة القانون الدولي وحقوق الإنسان والمواطن، وطبقاً لخطة تُشرك فيها الشعوب، ولا سيّما:الفلسطينيين والسوريين والكرد؟
وخارج هكذا أفق مُعلن حسب الأصول، فإن الإنخراط العسكري له تبعات، منها أن يكون من دون نهاية، وأن تغذي دولة الحرب أيضاً تجنيد الجهاديين في العالم.

العودة الى الأعلى