fbpx
البيان الختامي

مشروع البيان الختامي

التوصيات الصادرة عن اللقاء الإقليمي العربي التحضيري

(جبيل – لبنان: 18- 20 أيار 2017)

المرفوعة إلى المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية المنعقد

في لياج- بلجيكا/6-12 آب 2017)

تحت عنوان

إعادة الاعتبار للإنسانيات: مقارباتٍ ومناهجَ وإنتاجاً معرفياً

على مدى أيام ثلاثة (18 و19 و20 أيار 2017) عُقد لقاء إقليمي عربي، في مقر المركز الدولي لعلوم الإنسان – جبيل (لبنان)، وذلك تحضيراً للمؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية الذي سينعقد في لياج- بلجيكا بين 6 و12 آب 2017، تحت عنوان: إعادة الاعتبار للإنسانيات: مقارباتٍ، ومناهج وإنتاجاً معرفياً.

إن هذا اللقاء الإقليمي العربي التحضيري نظّم فعالياته المركز الدولي لعلوم الإنسان- جبيل، بالتعاون مع المكتب الإقليمي لليونسكو(لبنان)، والمجلس العربي للعلوم الاجتماعية، والمؤتمر العالمي للإنسانيات(بلجيكا). وقد شارك فيه حوالي خمسين باحثاً من 14 دولة عربية، هي : لبنان، فلسطين، قطر، الأردن، العراق، مصر، تونس، عُمان،الجزائر، المغرب، سوريا، الإمارات العربية المتحدة، السودان واليمن.

إلى الجلسات البحثية السبع والطاولات المستديرة الثلاث التي أكبّت على سبعة محاور، تندرج تحت العلوم الإنسانية والاجتماعية: الفلسفة، والتاريخ، والفنون، والأدب، والانتروبولوجيا، والتراث والإعلام، ودور الجامعات العربية، والتعليم والعلوم الإنسانية ودور العلوم الإنسانية والاجتماعية حول التفكير العربي في التنمية”، فقد كانت جلسة افتتاحية، تكلّم فيها معالي وزير الثقافة في لبنان د. غطاس خوري، ومعالي الأستاذة ندى الناشف، مساعدة المدير العام للأونسكو للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ومعالي الأستاذ أداما ساماسيكو، رئيس المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية ود. ستناي شامي، المديرة العامة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية. وقد ترأس هذه الجلسة د. أدونيس العكرة، مدير المركز الدولي لعلوم الإنسان (جبيل).

في استعراض موجز للكلمات التي أُلقيت في الجلسة الافتتاحية، كان لمعالي وزير الثقافة د. غطاس خوري أن يرحب بالمؤتمرين، مُتوقفاً عند أهمية انعقاد المؤتمر، في الزمان والمكان المناسبين، سيما أن الإقليم العربي، حسبما قال، يمرُّ بمرحلة حرجة، سياسياً وأمنياً. وقد دعا إلى أن تُوضع التوصيات التي ستصدر عن هذا المؤتمر موضع التنفيذ العملي، وعلى أن يكون التوجّه إلى القواعد الشعبية، لا سيما الشبابية منها، لا أن تُقتصر على النُخب، وبما يؤول إلى تعزيز قيم الديمقراطية، بكل مُندرجاتها.

مدير المركز الدولي لعلوم الإنسان- جبيل د.أدونيس العكرة أشار إلى أنه عندما تراجعت الإنسانيات أمام الرقميات، حل الترداد محل الابتكار، والتسطيح محل الإبداع، والاستهلاك بديلاً من الإنتاج، ولينعكس كل ذلك سلباً على جميع أحوال البشرية ومستوياتها الخاصة والعامة. وقد اعتبر أنه لكي تستعيد الإنسانيات مكانتها واعتبارها، ثمة حاجة قصوى إلى أن تسترد الفلسفة دورها، ويعود الفلاسفة إلى الساحة العامة.

مساعدة المديرة العامة لليونسكو الأستاذة ندى الناشف، أشارت إلى أن هذا المؤتمر يهدف إلى تحريك مُنتجي المعرفة ووصلهم بصانعي القرار والعاملين الاجتماعيين لمساندة التحولات الاجتماعية الإيجابية، عبر المحادثات داخل الحكومات، وعلى مستوى السياسات الوطنية. وقد أكدت أن الجمعية العمومية لليونسكو، التي  ستُعقد في تشرين الثاني 2017، ستأخذ بالاعتبار التوصيات التي ستصدر عن المؤتمر الدولي للإنسانيات الذي سينعقد في آب المقبل في لياج، وستطلب إلى الدول الأعضاء رسم خطة عمل لدعم هذه العلوم في البلدان العربية.

المديرة العامة للمجلس العربي للعلوم الاجتماعية د. ستناي شامي أملت أن تلحظ التقاطعات والتشابكات المعرفية والمشتركة بين أكثر من مجال وحقل معرفي، بما يُتيح ذلك من إمكانات وفرص، عبر تضافر الجهود والرؤى للمساهمة في توسيع مجالات وأدوات التحليل والتعيين للمعضلات التي تواجه المجتمعات.

معالي الأستاذ أداما ساماسيكو، رئيس المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية، عبَّر عن شكره للجهات الداعية إلى هذا اللقاء الإقليمي العربي والمشاركة فيه.

وعن خلفيات الدعوة إلى المؤتمر العالمي للإنسانيات، فقد أرجعها إلى ثلاث، أولاها: أزمة 2008- 2009 التي كانت أزمة مجتمع أكثر منها أزمة مالية، وثانيتها، الإضعاف المتمادي لـCIPSH، وهو واحد من ثلاثة مجتمعات عالمة مُتفرِّعة عن اليونسكو، ناهيك عن التهميش المتتابع للعلوم الإنسانية في العالم. أما ثالثة هذه الخلفيات، فتتمثل في غياب أو عدم الأخذ بعين الاعتبار، لجهة الإنتاج والتعاون الفكري العالمي وممثليه المنتمين على مناطق خارج أوروبا والغرب بعامة. وأضاف أن القضية المركزية لهذا المؤتمر تتمثل في مناقشة دور العلوم الإنسانية في القرن الواحد والعشرين المتميّز بالتعددية الثقافية، وفشل مختلف أشكال الفكر الموحد.

 

وبعد أن فصّل برنامج المؤتمر العالمي الذي سينعقد في لياج، دعا الجميع إلى هذه المغامرة الإنسانية الجميلة، وبما يمكننا من ابتداع عالم جديد، يتأسس على احترام الغنى التعددي ثقافياً ولغوياً.

وإثر انتهاء أعمال المؤتمر البحثية، كانت جلسة ختامية تقييمية، ترأسها د.أدونيس العكرة، وتكلم فيها معالي الأستاذ أداما ساماسيكو، رئيس المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية والدكتورة سيكوسوجيتا(اليونسكو)، ود. ستناي شامي (المجلس العربي للعلوم الاجتماعية- لبنان)، وذلك بعنوان “سُبُل المضي قُدُماً نحو المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية”. وقد كان استعراضٌ بانورامي لمختلف الرؤى والأفكار والمقترحات التي تمخضت عنها المحاور السبعة والطاولات الثلاث المستديرة، وكان تثمينٌ للنقاشات التي أدلى بها المشاركون الآتون من مختلف الدول العربية.

*****

إثر الانتهاء من مقاربة المحاور السبعة للمؤتمر الإقليمي العربي التحضيري، وعقد ثلاث طاولات مستديرة حول الموضوعات التي ذكرناها آنفاً، انتهى المؤتمرون إلى الرؤى والتوصيات الآتية:

بما يخص محور الفلسفة:

أولاً- في الرؤى:

* كانت الفلسفة ولما تزل هي الحقل الدراسي والوسيط المناسب لبحث دور الأفكار في إثارة الحروب وفي تأجيج النزوعات العُنفية لدى المجتمعات البشرية.

* إن تعثّر تدريس الفلسفة، بل تراجعه، بشكل مطّرد ومُتفاوت بين بلد عربي وآخر، يعود في جانب منه إلى الضغط المتزايد الذي يُمارسه الإسلام السياسي، بمختلف صيغه وتلاوينهِ،وصولاً إلى الترهيب الفكري.

* لا يمكن للديمقراطية أن تُوتي مفاعيلها من دون الفلسفة، بما يعني الربط بين ممارسة التفلسف وممارسة الحرية، وبين تمرين النقد الفلسفي وتمرين حقوق الإنسان. فالفلسفة، بما هي مدرسة للحرية، حاضنة للديمقراطية ورافعتُها.

* بقدر ما تناول الفكر العربي قضايا، من مثل: الهوية والحداثة والتراث.. فقد كان للفلسفة العربية المعاصرة أن تُشكِّل قيمة مُضافة، وهي تخوض غمار هذه القضايا عينها، فتعمّقها عبر مختلف المقاربات التي قام بها المشتغلون بالفلسفة.

* هناك غائبٌ كبير: كيف يفلح الفلاسفة العرب المعاصرون في مقاربة العلوم الدينية كما يُفلحون في قضايا أخرى.

* كيف تعاطى الفلاسفة العرب المعاصرون مع ما أُطلق عليه “ثورات الربيع العربي” التي وضعت المنطقة برمتها عند مفترقات مصيرية، وبما قد يُؤسِّس لوجه جديد لها، تُهدِّدها في كياناتها وهويتها.

* الفلسفة كونية، ولكن إثارة الأسئلة وكيفية معالجتها تنتميان إلى الخصوصية، في كل بلدٍ من بلدان العالم.

ثانياً- في التوصيات:

* تشجيع تدريس الفلسفة ودعم برامجها في العالم العربي، بما يؤول إلى تكريس العقلانية وتعزيز التفكير النقدي المستقل في مقاربة مختلف القضايا.

* مقولة “التربية على الديمقراطية” لن تتكامل فصولاً، ولن تُؤتي مفاعيلها ما لم تقترن بمقولة “التربية على الفلسفة”، بدءاً من مراحل التعليم الأولى، وبما يُعزِّز حضور الفكر النقدي الحر لدى الأجيال.

* عدم اقتصار الفلسفة على الجانب التعليمي والتشكيل المعرفي، بل العمل على استدخالها في اليومي من حياة الناس، فتُترجم على أرض الواقع ولتغدُوَ أحد مُشغّلاته الأساسية.

* دخول الفلاسفة العرب المعاصرين إلى سجالات حول تجليات التقدم العلمي والتكنولوجي، بما يمنحها أبعاداً من العصرنة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: فلسفة الحاسوب، وإلى آخر الموضوعات التي تشغل الأجيال المعاصرة.

* ضرورة تركيز الفلاسفة العرب على مشكلة السلطة، وصولاً إلى وضع نظرية معيارية في هذا المجال. ولعل هذه المسألة، من حيث منعكساتها، من أهم المسائل التي يواجهها العرب. وفي جملة الموضوعات أيضاً، موضوع الحرية.

بما يخصّ محور التاريخ:

أولاً- في الرؤى:

* دراسة التاريخ الاجتماعي في الجامعات العربية هي في وضعية عشوائية ومبعثرة.

* فكرة مراجعة الكتابات التاريخية باستمرار غير موجودة في قاموس المؤرخين العرب،وإن وُجدتْ فهي غير جادّة. علماً أنه بعد سلسلة الهزائم العربية (نكبة 1948، نكسة 1967، الاجتياح الإسرائيلي للبناني 1982 واحتلال أول عاصمة عربية الخ..) حصلت مراجعات ولكن لم تتم مُتابعتها. وبعد 2011 (ثورات الربيع العربي) لم نَرَ مراجعة مُعتبرة في هذا المجال!

* يبقى سؤال هام: هل يمكن كتابة تاريخ مُتميز أو نتاج في التاريخ الاجتماعي العربي في غياب الديمقراطية؟

* غياب الأرشيف، في ما يعود إلى التاريخ العربي، ذلك أن أرشيف الدول العربية حبيس المستودعات المغلقة. ناهيك عن عدم وجود قاعدة بيانات إحصائية Dated، وهي مشكلة لا تطاول التاريخ، بل مختلف الميادين والحقول المعرفية.

* إذا كان تدريس التاريخ يتصف في مدارسنا وجامعاتنا العربية بالتلقين، فكيف والحال هذه يمكن أن ننتج عقلاً نقدياً في كتابة التاريخ العربي الاجتماعي؟

ثانياً- في التوصيات:

* إعادة الاعتبار إلى دراسة التاريخ في الجامعات العربية، وفق معايير الموضوعية والحيادية والاعتماد على الوثائق، إذْ لا تاريخ حقيقياً من دون وثائق.

* في كتابة التاريخ العربي، ينبغي عدم توظيف الماضي وتعاطيه من منظور ذرائعي لتبرير سلوكيات الحاضر، سواءٌ أكان ذلك في المجال التشريعي أو في المجال السياسي أو في سائر المجالات.

* كتابة التاريخ العربي يجب أن تُفردَ حيِّزاً للفئات المهمشة، من عمال وفلاحين وفقراء، فهي جزء من هذا التاريخ ومن حركة اشتغاله.

* في كتابة التاريخ العربي ينبغي فك الاشتباك بين المؤرخين والسلطة. كما ينبغي قراءة التاريخ الاجتماعي العربي، من موقع القراءة التاريخية وليس من موقع النوستالجيا!

* الإفادة من الحوليات التي تُشكِّل أحد المراجع الأساسية والموثوقة لكتابة التاريخ الاجتماعي العربي.

بما يخص محور الفنون

أولاً- في الرؤى:

* الثقافة، بما هي الوجه المضيء للتشكيل المعرفي لدى الإنسان، فإن الحق في الثقافة يغدو من الحقوق الأساسية. وقد نصّت عليها مختلف الشُرع الصادرة عن مرجعيات دولية، لا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

* الإبداع، في جميع الفنون، شرطُهُ الحرية، ذلك أن الفكر الأحادي والفكر الموجَّه يتسمان بالانغلاق، وهما بالتالي عدوا الإبداع.

* الرقابة المجتمعية المفروضة على الإبداع، إذْ تستقي من معين الدين والقيم الأخلاقية المحافظة، شكّلت كابحاً لحرية الإبداع الفني.

* تعدد الفلسفات الضمنية التي تقود النشاطات الفنية.

ثانياً0 في التوصيات:

* عدم خضوع الفعاليات الثقافية لمختلف أنواع الابتزاز، ولا سيما المتمثل في مصادر التمويل ، عبر منظمات وجهات أجنبية مانحة. فهذا التمويل مشروط بتوجهات تُفرض على المموَّل وتنطلق من أجندة المموِّل.

* خوض مجابهة مع الرقابة المجتمعية، التي تتمظهر غالباً في إطار سلطة، وهي معطّلة لحرية الإبداع الفني، ذلك أن الانهزام أمامها يعني القضاء، ليس على حرية الفن والفنان، بل على الحرية في مختلف ألوان النتاج الفكري والفعاليات الثقافية. وهذه الرقابة المجتمعية قد تكون أحياناً أشدّ عُتوّاً من رقابة الدولة.

* من منطلق أن الفن رافعة أساسية للتنمية، ينبغي الربط بين النتاج الفني والثقافي والتنمية، بمعنى توظيفهما في خدمة التنمية المستدامة (على سبيل المثال: دور المسرح في هذا المجال).

بما يخص الأدب:

أولاً- في الرؤى:

* تسليع المؤسسات وانخراطها في آليات السوق أفقدها اهتمامها بالإنسانية، أو بالجانب الإنساني، واستطراداً  بالعلوم الإنسانية.

* في التراث الأدبي العربي نتاجٌ ثرٌّ لم يُعطَ حقّه من الدراسة، ولم يتم الخلوص إلى نظريات في النقد، يمكن أن يكون لها أساسٌ في هذا التراث، وقد تتقاطع مع الكثير من النظريات العالمية النقدية الأدبية المعاصرة.

ثانياً- في التوصيات:

* القراءة النقدية لنتاجات الماضي، على الصعيد الأدبي، مهمة وضرورية.

* على غرار النهضة الأوروبية التي كان لها إعادة اكتشاف التراث، ينبغي للعرب أن يعودوا إلى تُراثهم المترع بينابيع إنسانوية، مسقطين مقولة الأدب القديم والأدب الحديث، من منطلق لازمنية الإبداع.

* “الثورات العربية” واكبها دفقٌ أدبي، مما ولّد أشكالاً جديدة، ينبغي التوقف عندها مليّاً بهدف اكتشاف ما أتت به من جديد، وبما يرفد عملية التغيير.

 

* رفض المركزية الأوروبية التي تتحكّم بمسار الرواية العربية التي بلغت، إلى حد بعيد، سنّ الرشد، وتشغل حيّزاً واسعاً من المشهد الأدبي العام المعاصر.

بما يخص محور الانتروبولوجيا:

أولاً- في الرؤى:

* سؤال تأسيسي ينبني على الإجابة عنه مواقف متبانية: هل الانتروبولوجيا جزء من الإنسانيات أو من القانون الاجتماعي العام؟

* ارتباط الانتروبولوجيا بالحقبة الاستعمارية (الكولونيالية) جعلها موضع ارتباط وتهميش من قبل العرب. ناهيك عن البعد الايديولوجي الذي وسمها، وبما يتفق مع التوجهات الاستعمارية. وهذا ما خلع عنها صُدقيتها العلمية، إذ أن جُلّ المشتغلين بها في القرن الماضي هم من المستشرقين والدبلوماسيين الغربيين المعتمدين في البلاد العربية المُستعمرة!

* أهمية الانتروبولوجيا أنها جاءت لتُشرعن دراسة المجموعات  المحلية التي بدت خلال التاريخ وكأنها خارج السيرورة المجتمعية.

* لا تتجاوز الكتب الجامعية في السوسيولوجيا العروض الوصفية والتعريفية إلى العروض النقدية التنظيرية.

* تكثر الكتابة في الدراسات السوسيوغرافية الوصفية-الإحصائية، حيث تُختزل السوسيولوجيا إلى الإحصاء الاجتماعي والاقتصار على المعاينات المونوغرافية التي لا تربط بين الميكروسوسيولوجيا والماكروسوسيولوجيا.

ثانياً- في التوصيات:

* تعزيز دراسة الانتروبولوجيا في الجامعات العربية، مع إقامة الأسس الهيكلية اللازمة لبنائها في مختلف المراحل الدراسية الجامعية (على مستوى الماجستير وعلى مستوى الدكتوراه).

* بالتوازي مع بعض موضوعات الانتروبولوجيا التقليدية المتمثلة في دراسة: القبيلة، المرأة والإسلام، ينبغي راهناً دراسة: الأمة، الجنس (الجندر) والدين.

* ضرورة وجود الجماعة العلمية لإطلاق أي علم وتأصيله، وكذا الأمر بالنسبة للسوسيولوجيا كما الانتروبولوجيا. وعلى أن تكون هذه الجماعة خارج السلطة السياسية والسلطة الاقتصادية.

بما يخص التراث الثقافي

أولاً- في الرؤى:

* أهمية البحث في التراث الثقافي العربي، لجهة تعاطيه من موقع البعد الجمالي. فهو يشي بالعديد من القيم التاريخية، كما بالقيم الجمالية.

إشارةٌ إلى أهمية هذه القيم الأخيرة كونها عالمية، في بُعدها المفاهيمي.

* القضاء على التراث العربي قائم على قدم وساق، وهو يندرج في إطار مخطط يُفضي إلى تغييب الذاكرة العربية. فالإسرائيليون على سبيل المثال مسحوا من الذاكرة العربية 530 قرية فلسطينية منذ نكبة 1948، والغزو الأميركي للعراق قضى على الكثير من الآثار والمتاحف. ولم تُقصر داعش في هذا المجال، فتدمير مدينة تدمر التاريخية وتدمير الكثير من المعالم الأثرية والأوابد يطرح الكثير من علامات الاستفهام  المريبة.

* مقاربة العلاقة بين الذاكرة والتراث والعقار (المكان)، لجهة تغيير معالم المكان بدوافع تجارية، مع ادعاء المحافظة على التراث شكلاً، في حين يفقد المكان عمقه التاريخي وذاكرته التاريخية.

ثانياً- في التوصيات:

* الدعوة إلى الانشغال الابستمولوجي والنظري وبقضايا التراث في الأقطار العربية.

* ضرورة الحفاظ على التراث الثقافي في برامج إعادة الإعمار بعد الحروب والتنمية، لا سيما في المدن.

* إعادة النظر في الصورة النمطية التي أنتجها المستشرقون حول التراث العربي، بمختلف أشكاله وتلاوينه.

* ينبغي الأخذ بالاعتبار رؤية المؤرخين والانتروبولوجيين للمعالم التراثية، وليس فقط نظرة المعماريين. فالربط بين الهندسة والعلوم الاجتماعية يُوسّع من أفق المقاربات العائدة للتراث.

* الاهتمام بالتراث المتعلق بالحداثة والمنتج في حقبة الحداثة في العالم العربي، وذلك من منطلق رصد التحولات الثقافية في مختلف المجالات.

* ربط التراث الثقافي بالتنمية، وبما يُدرجه تحت اقتصاد المعرفة.

* تفعيل الوعي بالتراث وحمايته والمحافظة عليه، كونه جزءاً مهماً من الذاكرة الجمعية، وذلك منذ المراحل التعليمية الأولى.

بما يخص الإعلام

أولاً- في الرؤى:

* إن وسائل الإعلام العربية، بغالبيتها، غير مستقلة. بل إنها “مُلك” السلطة السياسية أو ممولة من سلطات عربية اخرى أو من حركات دولية لتبقى في خدمة إيديولوجيتها.

* في المرحلة الراهنة، غدا الإعلام العربي، في جزء كبير منه، تشاركياً أو تحاصصياً بين سلطة الدولة وسلطة المال، مما جعل تداخلاً مصلحياً بين عوالم السياسة والمال والإعلام.

* في ظل ثورة الاتصالات والشبكة العنكبوتية، فُتح المجال السياسي أمام الجميع ل يكونوا لاعبين في هذا المجال.

* ثمة 1400 فضائية عربية، في عدادها حوالي 140 فضائية دينية، وثمة شاشات أخرى.

ثانياً- في التوصيات:

* عدم إلغاء وزارة الإعلام، بما يعني استقالة الدولة من مسؤوليتها، بذريعة أن القطاع العام مُتثاقل الحركة وبطيء الاستجابة للتطورات ومواكبة العصر.

في الطاولات المستديرة

استكمالاً للمحاور السبعة، عُقدت ثلاث طاولات مستديرة، وقد انتهت إلى الرؤى والخُلاصات الآتية:

بما يخصّ الطاولة المستديرة الأولى” دور الجامعات العربية”

أولاً- في الرؤى:

* لا يمكن الحديث الجدّي عن مستقبل الجامعات العربية ودورها المجتمعي خارج مسألتي الاستبداد والفساد.

* إن الإصلاح الذي طال الجامعات العربية، في المرحلة الاستقلالية، اتّسم بالبيروقراطية والارتجال. وقد ترجّح فتح أبوابها للطلبة بين الانتقائية النخبوية الطالبية وبين تشريعها لدخول الجميع.

* بطالة المتخرجين من الجامعات العربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، وهم بغالبيتهم من ذوي المستويات الضعيفة، أساءت كثيراً إلى مكانة هذه العلوم ودورها في التنمية ورسم مستقبل أفضل للبلاد.

* الجامعة، كمؤسسة، كان دورها متواضعاً بإزاء “ثورات الربيع العربي”، نظراً لتردي أوضاعها بنيوياً من حيث تردي البرامج والمناهج وطرائق التعليم والأدلجة.

* تعريب التعليم الجامعي، بشكل عشوائي، انعكس بشكل سلبي على التشكيل المعرفي للهيئات التعليمية في الجامعات العربية.

ثانياً- في التوصيات:

* ينبغي أن يتجاوز دور الجامعات، كمنتجٍ للمعرفة، فتتحمل مسؤوليتها تجاه مجتمعها المحلي، وتسهم في عملية التغيير والإنماء. والجامعة لها موقعٌ مُتقدّم في عملية الصراع المجتمعي.

* فك الاشتباك بين التربوي والسياسي، هو المدخل الأساسي لمعركة استقلالية الجامعات العربية.

* عدم اقتصار دور الجامعة على السياسة التنموية للحكومات، بل يجب انفتاحها على الشراكة مع مؤسسات مدنية واقتصادية، سواءٌ على المستوى المحلي أو القطري، من دون وساطة مركزية.

* ضرورة تشجيع الإنتاج في العلوم الإنسانية والنشر على المستوى العالمي، إضافة إلى التشبيك الأفقي مع باحثين عرب وغير عرب.

* الحاجة إلى تغييرات جوهرية في برامج التدريس وإشكاليات البحث،  مع إدراج وسائل الاتصال الحديثة الضرورية لكل تجديد علمي وبيداغوجي، وبما يواكب متطلبات المرحلة، على الصعيد الوطني والإقليمي والعالمي.

بما يخص الطاولة المستديرة الثانية “التعليم والعلوم الإنسانية”

أولاً- في الرؤى:

* الباحث العربي يواجه خمسة تحديات: تحدي التراث العربي الإسلامي، وتحدي الإرث الاستشراقي الكولونيالي، وتحدي سلطة الاستبداد السياسي، وتحدي سلطة المجتمع في إجرائه أبحاثه الميدانية، وتحدي المعنى والفائدة من المعرفة الإنسانية. وهذا ما يدفعه إلى تقديم تنازلات، فيتسع هامش المسكوت عنه في نتاجه.

* ثمة نظرة نمطية جامعة، لدى العرب، تتجاهل التجارب التاريخية الغنية التي عرفها التاريخ العربي في مساره الطويل.

ثانياً- في التوصيات:

* تدريب الأساتذة الجامعيين على حُسن إيصال المعارف،وذلك بالتركيز على آليات إنتاج وإعادة إنتاج البحث، في مجال العلوم الإنسانية، عبر التعليم بالبحث والتعلُّم بالبحث.

* الحاجة،عربياً، إلى تأسيس شبكة تواصل بين علماء الاجتماع العرب، بما يؤول إلى التأطير الفلسفي والنظري للعلوم الاجتماعية وعلاقتها بالمجتمع.

* الحاجة إلى بحوث حول علاقة المجتمعات العربية بالتكنولوجيا، استعمالاً واستهلاكاً.

* تطبيق تعليم مهارات العلوم الاجتماعية والإنسانية، في المراحل الدراسية ما قبل الجامعية (مرحلة التعليم الثانوي).

* رفع مستوى الوعي عند الطلاب، فيما يتعلّق بنوع التخصصات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، وبالمهن المتعددة التي يمكن الولوج إليها عبر هذه العلوم.

بما يخص الطاولة المستديرة الثالثة “دور العلوم الاجتماعية والإنسانية حول التفكير بالتنمية”

أولاً- في الرؤى:

* لا تنمية من دون مشروع للتغيير معرفي، فالتنمية ليست عملية إجرائية ولكنها محكومة بنسق فكري قائم على أطروحات نقدية تنويرية متحررة من رواسب الماضي ومن هيمنة خطاب اليقينيات والوثوقية.

* كل التجارب العربية، الثورية والمحافظة، وصلت إلى طريق مسدود، إذْ حصل نمو مجتزأ ، اعتمده الاقتصاديون والمهندسون، لم يؤدِّ إلى تنمية بشرية متكاملة، في غياب الإسهامات النقدية للعلوم الاجتماعية.

* تواجه العلوم الإنسانية والاجتماعية فكرة مغلوطة وجاهزة، مؤداها أن التنمية مسألة اقتصادية تقنية، ولذلك تُسند إلى المهندسين والخبراء في هندسة التنمية.

ثانياً- في التوصيات:

* لكي نُحدث التنمية، يجب أن نكرِّس قيم التسامح ونستدخلها إلى مناهج التعليم (قرار الأونسكو في العام 1995/ إعلان مبادئ التسامح).

* إحلال الفكر النقدي، على مستوى العلوم الإنسانية والاجتماعية، بديلاً من الفكر التبشيري الذي هو، في جزء كبير منه، تعصبّي ومُتطرف.

* العلوم الإنسانية والاجتماعية في حاجة إلى إيجاد برديغمات (paradigmes) وأدوات منهجية جديدة للتفكير في الظواهر الجديدة

* إدراج العلوم الإنسانية والاجتماعية في المقررات الجامعية ذات التخصصات العلمية (الطب، الهندسة..الخ).

* في البلاد العربية، بإمكان العلوم الإنسانية والاجتماعية الامتياز بالمقارنة (Comparative advantage) لتنمية  التفكير في اتجاه ابتكار أساليب تكييف النتائج العلمية مع محيطها، وأن تُستثمر في الفكر.

خاتمــة

ملاحظات عامة وتساؤلات مشروعة!

تبيّن من خلال المحاور السبعة والطاولات المستديرة الثلاث أن ثمة خطاباً مشتركاً تنضوي إليه، وذلك من منطلق الوحدة من خلال التنوّع، والتنوّع في إطار الوحدة.

– هل نتحدّث عن إنسانيات عربية أم عن إنسانيات في العالم العربي؟

يُطرح هذا السؤال من منظور علاقة الإنسانيات العربية بالهويات العالمية.

– عدم الوقوع في ضبابية المفاهيم، بحيث يتم استخدام مفاهيم قديمة لدراسة حالات اليوم أو حالات مُستجدّة.

– يبقى أن الاستبداد وتجلياته، لا سيما الفساد، هو المرض العُضال في المنطقة العربية، فهو استبداد مركّب، سياسي- ثقافي- اجتماعي، مما يطرح السؤال عن خصوصية الاستبداد عربياً أو أنه خصوصية بشرية!

– فشل التيارات المعارضة للاستبداد، في المرحلة الاستقلالية، وكانت عودة دائمة إلى المربّع الأول، مربع الاستبداد والفساد!

– ينبغي خلق شبكىة بين الباحثين العرب في العلوم الإنسانيّة، حتّى نتمكّن من إنجاز قاعدة معلومات تبيّن ما أنجز وما يجب أن يُنجز، وملتقيات يتمّ خلالها البحث عن الدّور الذي يمكن أن تلعبه العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة التي تتخبّط في عديد المشاكل رغم الإمكانيّات البشريّة والثقافيّة التي تتمتع بها.

العودة الى الأعلى