مشروع كتاب حول

“مجتمع المعرفة والمواطنة”

الطاهر بن قيزة

جامعة تونس

 

نعيش اليوم في زمن موسوم بالمفارقات. من أهمها تلك التي تتعلق بتلازم تطوّر المعرفة والجهل أو تلك التي تتعلق بتلازم التواصل والعنف أو التقليد والحداثة. وإن كانت هذه الأزواج في ظاهرها متباعدة متنافرة متضاربة، فالمفارقة المحيرة تكمن في تلازمها وترابطها باطراد. ففي الوقت الذي تتطوّر فيه المعرفة بسرعة مهولة وهو تطوّر تصاحبه إنتاجات تكنولوجية عالية الجودة والنجاعة تُيسِّر التفاعل والتواصل، يتعمق الجهل وتتسع أشكاله ومظاهره. والمفارقة تكمن في أن التكنولوجيا التي كانت نتيجة لجهد علمي وبحثي مضنٍ قد غدت أداة طيّْعة بين أيادي أئمة التعتيم والدغمائية والعنف والإرهاب. زد على ذلك، فالشرخ المعرفي والرقمي بين الأمم الأوروبية والشعوب العربية يزداد اتساعا يوما بعد يوم ليصل إلى حد المعرضة بين مجتمعات مصنّعة ومتقدّمة معرفيا وتكنولوجيا واجتماعيا وأخرى متخلفة ومتأخرة في نفس المجالات.

غير أن العلاقة التي تربط بين التعتيم والدغمائية والعنف والإرهاب ليست مسألة يسيرة بينة. فالدغمائي ليس بالضرورة إرهابيا رغم أن الاتصال بين هذين المفهومين يستند إلى الترسانة النظرية نفسها، وهي الجهل المدمّر للثقافة والمقابل بين السلوك العقائدي الذي يستند إلى شرعية إلهية والسلوك المدني المستند إلى شرعية وضعية. فهل يعني ذلك أن علمنة العالم (Sécularisation) المتنامية تؤدي بالضرورة إلى مواجهة عنيفة بين علمانيين وتقليديين؟ وهل يمكن الفصل بين مشروع مجتمع المعرفة الذي يستند إلى تربية الأفراد والمجموعات على قواعد التواصل والتفاعل والإبداع ([1]) وتطوّر ثقافة المواطنة التي تستند إلى قيم الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني؟

نلاحظ في هذا الشأن، أن معظم الدول العربية قد أقرت بضرورة الاستناد إلى التكنولوجيا الحديثة والانخراط في مجتمع المعلومات. ولكن هل صاحب هذا القبول وعي بتبعيات الثورة الرقمية وتطور تكنولوجيات المعلومة والاتصال؟ ([2]) تلك التبعيات لا تقتصر على البعد التقني والاقتصادي المرتبط بالمعلومة بل تتجاوز هذين البعدين إلى المجال الاجتماعي والثقافي والتشريعي والإيتيقي مما من شأنه أن يجعل الثورة الرقمية تنسحب على مجالات التربية والتعليم والتسيير والبحث في شتى مجالات العلم والإنتاج والتبادل الثقافي والعلائقي. ألا يجوز الحيث اليوم عن أميّة رقمية سائدة بطرق متفاوتة في البلدان العربية؟ ولكن وبصورة أكثر عمقا، هل يكمن المثابرة على الاعتقاد بأنه من الممكن تطوير التكنولوجيا استعمالا واستهلاكا من دون استيعاب الثورة المعرفية التي جعلت تلك الثورة الرقمية ممكنة؟ ألا يتأسس مجتمع المعلومات على مجتمع المعرفة والثورة الرقمية على الثورة العلمية بصورة تجعل الشعار السائد عند كثير من العرب والقائل إننا “نأخذ من الغرب ما يلائم ثقافتنا ونترك ما يتعارض مع ديننا” شعارا غير ذي معنى لأنه لا يستوعب حقيقة الثورة الرقمية التي غيرت العلاقات البشرية فحولتها من البعد المجموعاتي (Collectif) إلى البعد العلائقي (Connectif)؟ وهكذا لا يستقيم تصور مجتمع الغد بعيدا عن تغيير جذري للتمفصل الرابط بين مجتمع المعرفة والثقافة المواطنية. فلم تعد المعلومة في صلب ثقافة التفاعل والوسائط المتعددة والوسائط الفائقة حكرا على السلطة السياسية أو على “وسائل الإعلام ” mass médiasبل صارت وسيلة ضغط اجتماعي وسياسي عبر شبكة الانترنات بين يدي “جمهور الناتمواطنين” المطورين “لإعلام الجماهير” médias des masse” القادر على إعاقة المواقع الرسمية والتمهيد، في المجتمعات التي لم تعرف الديمقراطية، لمواطنية فعلية عبر ممارسة مواطنية افتراضية يمكن ان تكون لها ضحايا وأبطال يغيرون -على الرغم المراقبة والعقاب- الواقع الاجتماعي السياسي.

غير أن لهذا الوجه الموجب للثورة الرقمية ولانتشار المعلومة وجها سالبا نبه إليه هابرماس حين أكد أنه لما كان الإشهار مبدأ أساسيا في العمل العلمي والتواصل المواطني (يوغن هابرماس Jurgen Habermas )[3] الذي يحوّل كل ما يتعلق بالمجتمع إلى مسألة عمومية، فمن باب المفارقات الملغزة أنه يستعمل أيضا كأداة للتعتيم والتقهقر والتهديم والتسطيح المبلد للعقول والنفوس (حنى أرانتHannah Arendt )[4]. يبدو ذلك جليا في الإشهار التجاري الذي يعطل الحس النقدي بمخاطبة الأهواء وبتعمد معاملة الكهول كما لو كانوا أطفالا والأطفال كما لو كانوا كهولا. كل ذلك من أجل تطوير الاستهلاك الذي يمليه اقتصاد السوق وتحكمه آليات العولمة (دراسات مارشال ماك لوهان التي تتحدث عن “القرية العالمية”Marshall McLuhan)[5] المُبضعة لكل شيء والتي غدت تعامل الإنسان ذاته باعتباره بضاعة قابلة للتلف.(برنار أفيلفي Bernard Ovilvie)[6]

تبعا لذلك، يجدر بنا لتلميع العلاقة الوثيقة بين مجتمع المعرفة والممارسة المواطنية أن ننظر في المسائل التالية :

  • هل يمكن أن تواصل الشعوب العربية في عمائها النظري فتولي ظهرها الثورة العلمية الحديثة التي مكنت الإنسانية -وبخاصة في أوروبا وأمريكا- من تحقيق طفرة نوعية في طريقة تعاملها مع التربية والتقنية والمعرفة في سياق التزام مواطني يكسي معنا كونيا من خلال الفعل التشاركي والديمقراطية البناءة ؟
  • كيف يمكن أن نعيش في الآن نفسه، عصر العلم وعصر الجهل وكيف يمكن أن تتحوّل أدوات العلم إلى أدوات تجهيل وتعتيم؟
  • كيف يساهم تطوّر أدوات التواصل الحديثة في تعميق العزلة والانقطاع عن العالم والعيش في فضاء افتراضي مغلق بل ومعادٍ أحيانا للفضاء العمومي ومقتضياته المدنية وما ينتج عم ذلك من ثقافة الانعزال والعدوان؟
  • ما وجاهة الحديث اليوم عن مجتمع المعرفة وما علاقته بمجتمع المعلومات؟ ما هي الدواعي التي تدفعنا إلى النظر في الفوارق التي تفصل بين المجتمعات المدنية والمجتمعات العصبية؟ هل ثمة تراتب بين المجتمعات بحيث نتحدث عن مجتمعات متحضرة مدنية وأخرى قبلية متخلفة؟
  • هل أن نجاح ما اتفق على تسميته بمجتمع المعرفة مقصور على تنمية البعد الآكاديمي والعلمي ونشرهما بين أوسع ما يمكن من الناس أم أن الأمر لا يتعلق بتغيير البني الفوقية والأيديولوجية بقدر ما يتعلق بتغيير الثقافة المواطنية الكفيلة بتحويل الطفرة المعرفية المنشودة إلى ممارسة عملية تتكرس في النشاط المواطني من خلال تجارب عملية تدعم ثقة الأفراد في أنفسهم وتحولهم من عناصر مستهلكة للثقافة ومنطبعة بالمحيط إلى محركات فعل وتغيير للواقع بما يكفل تحقيق الحريات الفردية والجماعية. كيف السبيل إلى تحقيق هذا التمفصل المنشود بين المعرفة والفعل من أجل الحرية والإبداع؟
  • وإذا ما حوّل مجتمع المعلومات العالم إلى “قرية كونية”، فهل أن ذلك يعني أن لا مناص من الانخراط في منطق العوملة بجميع أبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية؟ وما مصير الأمم النامية في ضل اقتصاد سوق كاسح لكل خصوصية ولكل فردية للأشخاص والشعوب؟

 

 

[1] Rapport mondial de l’UNESCO, Vers les sociétés du savoir, Imprimerie Corlet, Condé-sur-Noireau, France, UNESCO, 2005.

[2] L’essor des technologies de l’information et de la communication : une perspective UNESCO, document établi par le Secrétariat de l’UNESCO Organisation des Nations Unies pour l’éducation, la science et la culture. UNESCO, 1996.

 

[3][3] Jurgen Habermas, L’espace public, archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise, Paris, édition Payot, 1993.

[4] Hannah Arendt, La Crise de la culture, Gallimard, coll. « Folio », Paris, 1972.

[5] P.Breton, L’utopie de la communication, le mythe du “village global”, La Découverte, Paris. 1995.

[6] Bertrand OGILVIE, L’Homme jetable. Essai sur l’exterminisme et la violence extrême, Paris, Éditions Amsterdam, 2012.

 

العودة الى الأعلى