الورقة الخلفية

 

يأتي هذا المؤتمر استكمالاً لسابقه الذي حمل عنوان “مجتمعات غازية ومجتمعات مركبة”. لكن المطلوب هذه المرة القيام بفحص إحدى صيَغ التعددية الثقافية في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بسعاية من إعادة التركيب التي حث عليها تاريخها، أي تعددية لغاتها.

لقد أضحى موضوع تعددية اللغة مهمّا أكثر فأكثر في البحوث التاريخية والاجتماعية والسياسية للسنوات المنصرمة الأخيرة: فالدراسة الإثنية الممركزة للمجتمعات القديمة، والممارَسة خلال فترة طويلة، من باحثين مختصيّن في مجال واحد، قد أخلت مكانها منذ فترة قريبة لمقاربة أكثر انفتاحاً، وأقل واحدية في الشكل، وأكثر حساسية للتفاعل الثقافي.

والحال، فإن هذا الموضوع يساوق انشغالاً مجتمعياً معاصراً، لأنه تُلاقي إحدى الاهتمامات الرئيسة لمجتمعاتنا التي تواجه أكثر فأكثر مشكلة تعدد اللغات وتعدد الثقافات.

يرغب هذا المؤتمر في تناول تعددية اللغة من ضمن منظار أفقي ( مقابل العامودي) متعدّد التخصص بمجابهته لوجهات نظر المختصين في مختلف مجتمعات الشرق الأوسط وشمال افريقيا، استناداً الى ثلاثة محاور:

  • نمذجة التعددية اللغوية، اذ يمكن لهذه الأخيرة أن تكون من طبيعة متنوعة جداً: إثنية، سياسية، دينية، وثقافية، وغالباً ما تشارك في عدة ظواهر في آن. لكنها لا تعبر عن نفسها بالطريقة عينها، وذلك بحسب العلل التي تؤسسها أو السيّاقات التي تشرطها.
  • صيَغ التعددية اللغوية، وهنا يتعلق الأمر بالتساؤل عن الشروط المحددة التي وجهت الإختلاف في التعبير اللغوي (أو اللساني)، فعلى سبيل المَثـَل، تلك اللغة خُصت بهذا الحامل (الحجارة، المخطوط، الخ…)، بدلاً من ذاك، وبهذا النمط من الوثيقة بدلاً من تلك. ولهذه الصيّغ بُعد منهجي لا يمكن إنكاره: فالتوثيق المكتوب الذي ينقب فيه المؤرخ، يخضع لحوادث عارضة وإكراهات، تُولّد من بين أشياء أخرى، تعددية اللغة. ومعرفة هذه الظاهرة، بما أنها تشرط تدبيج الوثيقة، توجب كونها شرطاً أولاً للتنقيب فيها.
  • عواقب تعددية اللغة، اذ إن الوجود المشترك لعدة لغات في فضاء ثقافي واحد، ينتج عنه ظواهر تفاعل، ليس على اللغات نفسها فحسب (استعارة ألفاظ، نسخ عبارات، رطانة، …الخ)، ولكن أيضاً على الكتابات. ومن وجهة نظر تاريخية أكثر، فإنها يمكن أن تحدث نزاعات، أو العكس، أي إغناء ثقافي ملائم لينتقل من ثقافة الى أخرى ( يمكن أن يمرّ عبر الترجمة).

أما في مجال السياسة، فيمكن التفكر خصوصاً، في الأثر الحاسم لبُنى المجتمعات المركبة، التعددية ومتعددة اللغة، في الحياة العامة داخلها، لا سيما من جهة نظمها السياسية، ومبدأ المشاركة في صنع القرار واتخاذه. إذا كان المجتمع مركّبا من مكوّنات متنوعة ومختلفة، فما هو المبدأ الذي تتحوّل بموجبه المتنوّعات الى هيئة موحّدة يصحّ فيها أن تكون مصدرا للسلطة في النظام الديمقراطي. وهل يمكن ان تكون السلطة موحّدة في مجتمع متعدّد؟ وهل تصلح الديمقراطية لتنظيم هذا النوع من المجتمعات تنظيما سياسيا؟ هل تصلح الديمقراطية لكل انواع المجتمعات والثقافات؟ أم أن لها أشكالا متنوّعة تطابق المجتمعات المتنوّعة؟ وبعبارة أخرى، هل ان هناك نوعا مخصوصا من الديموقراطية لحكم المجتمعات المركّبة بصورة فضلى، وتأمين السلام الأهلي داخلها بتقديم الحلول الديمقراطية لمسألة الأقليات؟

وباختصار، إن غنى موضوع المؤتمر كفيل بأن يجمع خلال ثلاثة أيام عددا من المختصين في مجالات عدة ( مؤرخون، فقهاء لغويون، علماء في النقوش، باحثون في البرديات، علماء اجتماع، علماء سياسة…الخ)، ومن مختلف الفضاءات الثقافية، حيث سيتيح التقابل بين وجهات النظر فهماً أفضل لظاهرة تكوّن المجتمعات التعدّدية التي أصبح الغليان في داخلها يطرح أسئلة كبرى حول قابليتها للحياة ومدى ديمومتها، وكيفية صيانة كيانها السياسي، وإمكانية انسجام النظام الديمقراطي مع بنياتها الاجتماعية بحيث تكون محكّا لقابلية الاعلان العالمي لحقوق الانسان للتطبيق، لا أن تكون مختبرا لفعالية الاستراتيجيات والأسلحة المؤدية الى نقض هذا الإعلان والقضاء على تطلعات الشعوب الى سلام مبنيّ على تناغم وانسجام بين ثقافاتها وأديانها ومختلف تنوّعاتها.

العودة الى الأعلى