fbpx
الورقة الخلفية

يشغل موضوع الديمقراطية حيّزا واسعا في مجالات الفكر السياسي والاجتماعي في العالم، فتتخذه الشعوب شعارا في نضالها وحراكها في سبيل تحقيق تطلعاتها، وتتغنى به الحكومات في خطابها السياسي، ويسيل في شرحه ومديحه ونشر قيمه ومبادئه حبر كثير ، وتبذل من أجله المنظمات الدولية والإقليمية ومؤسسات المجتمع المدني جهودا جمّة في نشاطها بحيث يحتل القسم الأكبر من برامج عملها. وليست الأهداف التي تسعى منظمة اليونسكو الى تحقيقها، والنشاطات التي تقوم بها أو تدعمها في مختلف المناطق سوى دليل واضح على المكانة التي تحتلها الديمقراطية في الثقافة العامة في العالم.

إلا أن فكرة الديمقراطية لا تزال تنمو وتتطوّر بالنظر الى المجتمعات المختلفة، وظروفها، وثقافاتها المتنوعة، وبالنظر الى نموّ العقل البشري واتساع معارفه واكتشافاته وأسئلته، ولا سيما في مجالات العلوم الانسانية كافة. وهذا ما يجعل مفهوم الديمقراطية يخضع لمعايير متعددة ومختلفة، ولوضعيات ثقافية وحضارية منها ما يدفع به نحو التقدّم والرسوخ، ومنها ما يضع أمامه صعوبات وعوائق. وفي جميع الأحوال، تبقى الديمقراطية فكرة لم يستنفد العقل النقدي مضامينها، وآفاقها، وترابط علاقاتها وتشعّباتها، بحيث تبقى الحاجة دائمة الى التوضيح، والاستكشاف، والاستكناه على ضوء محكّات أفهومية مشتقّة من ميادين علمية، ونظرية، وفكرية متنوّعة، متقاربة أو متباعدة، ولكنها تصبّ جميعها في وحدة الحياة البشرية على مستوى الممارسة والتطبيق.

إن ما يطرحه هذا المؤتمر الفلسفي هو السؤال حول العلاقة بين الديمقراطية والحوار والحقيقة. فالقول الديمقراطي لا يسعه الاستغناء عن مفهوم الحوار ، أكان ذلك في معرض الدفاع عن الديمقراطية وترويجها، أم في معرض البحث عن جذورها في طبيعة الاجتماع الانساني بعد خروجه من حالة الطبيعة وشريعة الغاب. وعندما تنظر الفلسفة السياسية في مفهوم الحوار وشروطه لا يسعها الاستغناء عن مفهوم الحقيقة باعتبارها غاية للحوار وضامنا لوظيفته، وفاعليته، وضرورته.

إن الحوار يستلزم وجود الآخر. والحوار مع الآخر يعني مواجهة الآخر في واقعه وحقيقته وخصائصه وخصوصياته في الحياة المعيشة. فالحياة معا هي لقاء. وبدون اللقاء لا يكون تلاقٍ ولا اجتماع، وبالتالي لا يكون ثمة مجتمع، ولا سياسة. غير ان الحوار في الفلسفة السياسية يعني أن نبحث معا عن حقيقة مشتركة يتأسّس عليها وجود الجماعة بمعزل عن الفروقات والاختلافات غير القابلة للإلغاء. وهذا ما يضعنا في مواجهة تناقض ابيستمولوجي بين الوحدة والكثرة، بين التماثل والاختلاف، بحيث يفرض علينا طرح الأسئلة الكبرى حوله: هل من الضروري إلغاء هذا التناقض؟ هل من المنطقي الإبقاء عليه والعناية بإدارته؟ ما هي الآليات المستخدمة في تحقيق كلّ من هذين الاحتمالين؟ وما هي النتائج الحاصلة؟

ثم ان البحث معا عن الحقيقة يطرح السؤال عما هي الحقيقة في المجتمع وفي السياسة. كيف نحدّدها؟ هل ان طبيعة الحقيقة العلمية هي نفسها طبيعة الحقيقة المؤسِّسة لوجود الجماعة؟ وما هو موقع الحقيقة في السستام الديمقراطي؟ ما هي وظيفتها؟ وما هو دورها في مجرى الحياة العامة؟ ثم، ما هو دور الديمقراطية في تشكـّل الحقيقة المؤسِّسة لوجود الجماعة؟ هل ان الحقيقة المستندة الى مبدأ الصحيح والخطأ قابلة للتماهي مع الحقيقة المبنيّة على مبدأ الغالبية والأقلية؟ والى أيّ نوع من “الحقائق” تحتاج الديمقراطية؟ هل ان الديمقراطية تحتاج الى الحقيقة أم الى التوافق، والتسوية، والاتفاق ؟ هل ان الحقيقة في الديمقراطية مرتبطة بصاحب السلطة، بمصدر السلطة…؟ هل ان الحوار الذي تستلزمه الديمقراطية يستغني عن الحقيقة في سبيل استقرار الجماعة؟

ثم ان هناك حقائق بطبيعتها مطلقة لا تقبل المساومة أو التسويات، كالحقائق الدينية. فهذا النوع من الحقائق يمكن أن تتكوّن على أساسه الجماعة ويقوم مجتمعها السياسي، كما يمكن أن تكون مختلفة اختلافا جوهريا عما يقوم عليه مجتمع سياسي آخر من حقائق ومبادئ جامعة. وهنا يبرز واقع المجتمعات التعددية والمتنوّعة المكوّنات السوسيولوجية ذات الخصائص الجزئية المختلفة. فما هو حكم الحقيقة المطلقة في النظام الديمقراطي القائم على حقائق نسبية وخاضعة لمنطق التطور التاريخي؟ كيف تستطيع الديمقراطية أن تحدّد قيمة الحقائق المتناقضة وأحقيتها في الوجود داخل المجتمع السياسي، وأن ترسم الحدود في ما بينها دون أن يتشوّه مفهوم الحقيقة بفعل تدخّل الحوار؟

من جهة أخرى، ليس بوسعنا، في هذا المجال، أن نهمل نوعا آخر من الحقيقة المطلقة يتعلق بالفكر الإيديولوجي الذي يشكـّل مستندا أساسيا للنظر الى تكوين المجتمع، ولأساليب ممارسة السلطة السياسية داخل المجتمع الذي يطمح الى الديمقراطية. فما هو دور هذه الأخيرة في هذا السياق؟ وهل ثمة إمكانية لتعايش الديمقراطية مع هذه الحالة؟ أليست الديمقراطية، هي نفسها، تقوم على حقيقة ترتدي مقدارا ملحوظا من المطلقية، بحيث تتواجه مع نقيضها مواجهة بين مطلقين، بما ينفي أي دور للحوار الساعي الى حقيقة مشتركة؟

وبالاختصار، هل ثمة تلازم ضروري بين الديمقراطية والحقيقة والحوار؟

العودة الى الأعلى