الصحافة
مبادئ الفلسفة
28.07.2015

الكتاب: حال تدريس الفلسفة في العالم العربي

المؤلف: مجموعة من باحثين

إشراف: د. عفيف عثمان، تنسيق: د. ريتا فرج

الناشر: المركز الدولي لعلوم الإنسان – بيبلوس برعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (2015).

خلص الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650) في كتابه «مبادئ الفلسفة« إلى أن دراسة الفلسفة لازمة لإصلاح أخلاقنا وهداية سلوكنا في الحياة؛ فـ«البهائم العجماوات التي لا هم لها إلاّ حفظ جسومها، لا تكل عن الدأب والسعي في طلب أقواتها. أما الناس الذين أهم جزء فيهم هو الذهن فيجب عليهم أن يجعلوا طلب الحكمة همهم الأكبر؛ لأن الحكمة هي القوت الصحيح للعقول«.

يشكّل تدريس الفلسفة بما يحويه من وظائف وأدوار مدخلاً رئيساً لتوطيد النزعة العقلية والتفكير النقدي/السجالي، ويُكرس لدى الأجيال الإحساس بقيم الحق والخير والجمال من خلال العمل على تنمية الفكر الناقد وتقبل الأفكار الكونية والمشتركات بين الأمم.

تعاني الفلسفة في العالم العربي على مستوى التعليم في المدارس والجامعات، من أزمة حقيقية تفاقمت بشكل جلي في العقدين الأخيرين. يتفاوت الاهتمام بتدريس الفلسفة بين دولة عربية وأخرى. وقد تراجعت مكانتها لأسباب عدة؛ ولعل السبب الأهم لهذا التردي يرتبط بالتجاهل المقصود من قبل بعض الدوائر الأكاديمية لمركزية الفلسفة وقدرتها الفذة على التنوير.

يقدم «حال تدريس الفلسفة في العالم العربي«، بدعم من المركز الدولي لعلوم الإنسان (جبيل – لبنان) الذي يديره الدكتور أدونيس العكره، والعامل برعاية اليونيسكو ووزارة الثقافة اللبنانية، رصداً شاملاً عن أحوال تدريس الفلسفة ومعوقاتها. ويُعد هذا المؤلف المشترك من النتاجات الأكاديمية المهمة، إذ يتضمّن مسحاً دقيقاً حول مقررات الفلسفة في الثانويات والجامعات العربية، إلى جانب ما يحتويه من خلاصات تبرز أهم العراقيل التي تقف حائلاً دون تعميم روح الفلسفة في السياسات التعليمية. شارك في الكتاب باحثون من أقطار عربية مختلفة وهم على التوالي: أحمد المغربي، بكري خليل، جويدة جاري، حسن العبيدي، ريتا فرج، الزواوي بغورة، الزهراء الطشم، زهير الخويلدي، سيدي محمد ولد يب، صالح مصباح، صلاح رشيد، عفيف عثمان، غيضان السيّد علي، فهد سليمان الشقيران، ماجدة عمر، مأمون كيوان، وناجح شاهين وآخرون.

وقد جاء الكتاب في أربعة أقسام: الأول: قراءات في نصوص عن تدريس الفلسفة. والثاني: تدريس الفلسفة في العالم العربي. والثالث: عوائق ومشكلات تدريس الفلسفة. والرابع: شهادات في تدريس الفلسفة.

شمل القسم الأول أفكاراً حول أهمية الفلسفة والتفلسف وقراءات في نصوص عن تدريس الفلسفة، ورفد بنص للفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، ومجموعة آراء حول الفلسفة والديموقراطية تقدمها مقال للفيلسوف اللبناني ناصيف نصار «الفلسفة والديموقراطية وكرامة الإنسان«، وآخر للباحث المغربي محمد نور الدين أفاية. إلى ذلك، تمّ اختيار نماذج من تقارير وكتب صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة غايتها الإضاءة على الاهتمام الأممي بالفلسفة، علماً أن اليونيسكو أولت اهتماماً ملحوظاً للفلسفة منذ العام 1946، ونشرت عدداً لا بأس به من الكتب المعنية بأحوال الدرس الفلسفي، انطلاقاً من شعار معرفي: « الحق في التفلسف«.

يعتبر القسم الثاني العمود الفقري للكتاب. يغطي أحوال تدريس الفلسفة في الأقطار العربية (لبنان، سوريا، الأردن، العراق، فلسطين، دول مجلس التعاون الخليجي واليمن، ليبيا، تونس، المغرب، الجزائر، موريتانيا، مصر، السودان، جيبوتي). تشتمل الدراسات على قراءة لمقررات الفلسفة في الثانويات والجامعات، تضمنت جداول حول أسماء المواد وعدد الحصص وتوزيعها، وتم التمهيد لها بمقدمات تاريخية حول مسيرة تعليم الفلسفة في الدول المدروسة مع تبيان الصعوبات التي تواجه الدرس الفلسفي الذي يتعرض لخطرين: الأول: المحاولات الدؤوبة لإضعاف مناهج تعليم الفلسفة؛ والثاني: السعي لتقليص حضور الفلسفة في الثانويات والجامعات وتحجيمها مقابل إطلاق العنان للعلوم التطبيقية والتقنية.

استكمالاً للإطار المنهجي، عالج القسم الثالث معوقات الدرس الفلسفي وتدريسه ضمن محورين. ركز المحور الأول الذي أعده د. عفيف عثمان على المعوقات العامة المشتركة التي ساهمت في إضعاف درس الفلسفة، حيث تأتت من تيارات ونزعات فلسفية، ومن تقدم بعض المذاهب الفلسفية على حساب جوهر «حب الحكمة« والغوص في مشكلات الوجود والمعنى والمحرك الأول والأخلاق والجمال. من هنا يمكن أن نفهم خلاصة الفيلسوف إدموند هوسرل في قوله: «إن الوضعية قد قطعت رأس الفلسفة«. ويستند الباحث إلى خلاصات دريدا التي تطرق فيها إلى معوقات ما تطالب به الفلسفة نفسها في خطابها. لم يكتفِ المحور باستجلاء أفكار الفلاسفة العالميين إنما سلط الضوء على التجارب العربية التي تناولت «ظاهرة انحدار الدرس الفلسفي« عندنا في أزمنة تتصارع فيها الجهالات ويسيطر العنف الديني والسياسي. فما أحوجنا إلى الفلسفة علّنا نتمكن من فهم هذا الانسداد التاريخي؟ أما المحور الثاني فهو للدكتور زهير الخويلدي حيث اختير ما له صلة مباشرة بتدريس الفلسفة والمشكلات التي تعترضها من نص مطول له تحت عنوان: «تقويم المقال الفلسفي بين التنظير والتطبيق«.

هدفت الشهادات إلى إبراز التجارب حول أهمية الفلسفة وتدريسها حيث تم انتقاء مجموعة من النصوص لمفكرين وباحثين وأكاديميين عرب انشغلوا بالهم المعرفي الفلسفي (أدونيس، فارس ساسين، غيضان السيد علي، منصور فهمي، روجيه نبعه، وليم العوطة، نادر البزري، حسام الألوسي، حيدر علي سلامة، خليف الطراونة، حسني عايش، حذام قدورة، إبراهيم غرايبة، فهد الشقيران، حسن كامل إبراهيم وآخرون).

والحال، ليست الفلسفة اختصاصاً معرفياً ترفيهياً، إنما هي «أم العلوم« إذ تشكل جزءاً أصيلاً من كل علم على قاعدة التكامل لا التضاد. يقول الفيلسوف العراقي الراحل حسام محيي الدين الآلوسي (1936-2013): «لا يمكن أن يكتفي الإنسان برؤية الكون ونفسه والمجتمع بعين العالِم فقط وما يمتلكه من معرفة علمية مختصة في مجاله، وهنا تظهر الحاجة للفيلسوف ودور الفلسفة في ما ينتجه العلم، وكيف تقدم للعلم المنهج الأمثل للوصول إلى الحقيقة الكلية. ذلك أن العلوم معنية بالجزئيات، وبأشياء مخصوصة، وبدراسة وقائع محددة، على وفق كل علم، بينما رؤية الأشياء بكليتها ومنطقها وأبعادها المعرفية والكونية والقيمية، تكون من مهمات الفلسفة».

العودة الى الأعلى