البيان الختامي

المركز الدولي لعلوم الإنسان- جبيل/ 7- 8- 9 أيلول 2016

برعاية من معالي وزير الثقافة المحامي ريمون عريجي، وبدعوة من “المركز الدولي لعلوم الإنسان – جبيل”، وبمشاركة من “كوليج دو فرانس” (باريس)، والمعهد التطبيقي للدراسات العليا(باريس)، وجامعة باريس شرق كريتاي (UPEC)، عُقد مؤتمر بعنوان “المجتمعات مُتعددة الطوائف في الشرق الأوسط ” تاريخ وعطوبية”، ليُشكِّل حلقة استكمالية لثلاثية، كانت أولاها “مجتمعات غازية ومجتمعات مركبة”(2014)، وثانيتها “مجتمعات مُتعددة اللغات”(2015).

وقد احتشد لهذه الفعالية، التي استمرت ثلاثة ايام (7- 8- 9 أيلول 2016)، باحثون أكاديميون مرموقون من جامعات ومعاهد ومراكز أبحاث (فرنسا والنمسا)، إلى باحثين من مصر وسوريا والعراق وتونس وفلسطين ولبنان.

إلى الجلسة الافتتاحية التي تضمنت كلمة للبروفسور جاك بافيو، باسم الجامعات الشريكة في المؤتمر، وكلمة مدير المركز الدولي لعلوم الإنسان- جبيل د.أدونيس العكره، وكلمة معالي الوزير عريجي، ممثلاً بالأستاذ ميشال معيكي، كانت ست جلسات بحثية غاصت على المسألة في جذورها، مُتتبعةً مسارها التاريخي، مع شعوب وحضارات ترقى إلى آلاف السنين، وصولاً إلى عصرنا الراهن.

وقد كان إكبابٌ على منطقة الشرق الأوسط، لا سيما العالم العربي الذي غدا، في العديد من بلدانه، بُؤرةً للتفجُّر ويشهدُ حالةً من احتراب طائفي/مذهبي وعرقي وثقافي، هي من تجليات مجتمعات هشّة وذات عطب.

وكان للمؤتمر أن يُقارب جُملة من المسائل الهامة، وفي رأسها: موضوع الأقليات والأكثريات، والمواطنة والديمقراطية التوافقية، إلى عناوين أخرى.

ولقد انتهى المؤتمرون إلى مجموعة من الرؤى والمقترحات، وفق الآتي:

أ- في الرؤى:

أولا – إن غالبية المجتمعات التي عرفتها البشرية، قديماً وحديثاً، هي مجتمعات مُتعددة، دينياً وعرقياً، ولم يعُدْ ثمة اليوم مجتمعات أحادية، وذلك بتأثير من العولمة ومن موجات الهجرة المتعاظمة التي تُطاول بلاد العالم قاطبةً.

ثانياً- إن موضوع التعدّد والتنوع والاختلاف، بمعزلٍ عن الصيغ التي تتلبّسُهُ، لا يُعبِّر بالضرورة عن هشاشة أو عطوبية، ذلك أن النزوعات الضيقة- الطائفية في عِدادها- ليست جواهر ثابتة محكومة بالتأبُّد، فهي قابلة للتغيُّر والتبدُّل، إذا ما توافرت إدارة رشيدة وعادلة، تقوم على شُرعة حقوق الإنسان وتحفظ خصوصيات سائر مكوِّنات المجتمع، من دينية وقومية ولغوية. ومثالنا في هذا السبيل الهند التي تضم خمس سكان العالم، ويتشكّل شعبها من أعراق مُتعددة ويدين بأديان مختلفة، تنعم باستقرار ويُرى إليها من أكبر ديمقراطيات العالم. وكذا الاتحاد السويسري المتشكل من عدة قوميات وثقافات متباينة.

ثالثاً- ينبغي ألاّ يغيب عن البال العامل الدولي الذي يُسهم ، من موقع مؤثِّر، في تأجيج الصراع بين الطوائف والاتنيات والقوميات في عدد من بلدان الشرق الأوسط، وما ينجم عن هذا التدخل من مخاطر وجودية على مسار مجتمعات هذه الدول ومصيرها.

ولقد كان من مخلّفات العامل الدولي، مُتدخِّلاً أو مُستدخَلاً، بروز مشكلة الأقليات بحدة، والتي ينظر إليها راهناً بأنها من صناعة الأجنبي.

ولقد شكَّل احتلال العراق في العام 2003 مفتتحاً لهذه القضية، ولتنتقل عدواها إلى عددٍ من الدول العربية والإسلامية.

رابعاً- إن الدين شأن خاص لجماعة المؤمنين، تتبدّى مخاطره عند انزياحه من النطاق الفردي إلى الإطار الجمعي الواسع. من هُنا فإن التعددية الدينية أو الطوائفية ليست السبب في إضعاف الدولة، وإنما تغليب الطابع الطوائفي لديها على حساب طابعها الوطني، وبما يجعل الطوائف أوطاناً لجماعتها.

ب- في المقترحات/ التوصيات

أولاً- إدخال مادة تاريخ الأديان في المناهج التربوية لمرحلتي التعليم المتوسط والثانوي، لا سيما في البلاد الإسلامية، وذلك بالتركيز على أبعاد الحقيقة الدينية في جوهرها، وإبراز المشتركات بين الأديان، كما نقاط التلاقي التي تكفل تمتين اللُحمة المجتمعية في بلد مُتعدِّد الطوائف، وعلى أن يتولى مهمة تدريس هذه المادة كوادر تعليمية مُعدّة إعداداً عالياً وذات كفاءة.

ثانياً- عقد لقاء حواري بين مثقفين من أمم أربع (العرب والفرس والترك والكرد)، يتنكّب الدعوة إليه “المركز الدولي لعلوم الإنسان- جبيل”، وذلك لتطارح المشتركات الإنسانية والثقافية والتاريخية والاجتماعية والدينية بين هذه الأمم، وبما يُفضي إلى تنظيم الاختلاف سلمياً، عبر الاعتراف بالمصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، على قاعدة حفظ الخصوصيات والهويات الفرعية، مُتفاعلةً في إطار الهويات العامة، داخل كل بلد، وعلى مستوى المنطقة.

ثالثاً- التربية على المواطنيّة، بما يؤدي إلى تكريس الانتماء الوطني، فيعلو أي انتماء آخر، من دون المسّ بالأمور الدينية والخصوصيات الطوائفية والعرقية والثقافية. كما الاهتمام بموضوع التعليم والثقافة في المجتمعات العربية والإسلامية، وتفعيل دور المرأة، وصولاً إلى مجتمع منفتح يقبل الآخر المختلف ويحترم التعددية والتنوع، في سائر صيغه وتجلياته، وينبذ الكراهية وأية رغبة في الإقصاء والإلغاء.

رابعاً- الدعوة إلى هوية إنسانية عالمية، تُصان بقوانين وشُرع دولية، تلتزمها كل الدول، وبما يفضي إلى مجتمع الإنسان بديلاً من مجتمعات الطوائف المحتربة والمتعادية.

خامساً- أوصى المؤتمرون بطباعة أعمال المؤتمر ونشرها، فتنضمّ إلى أعمال المؤتمرين السابقين التي صدرت في كتابين عن “المركز الدولي لعلوم الإنسان- جبيل”.

العودة الى الأعلى